نحو إلغاء المحاكم العسكرية وإرساء نظام قضائي عدلي موحّد


نحو إلغاء المحاكم العسكرية
وإرساء نظام قضائي عدلي موحّد


لقد استقرّ النظام الديمقراطي على اعتبار أنّ ولاية القضاء تباشرها السّلطة القضائية التي تبسط ولايتها على كافة المواطنين مدنيين كانوا أو عسكريين، وألاّ يكون نظر المحاكم العسكرية إلاّ بصفة استثنائية وفي نطاق محدود، أي أنّ القضاء العسكري لا يباشر سلطته إلاّ في حدود الجرائم العسكرية البحتة التي يرتكبها العسكريون أثناء أدائهم لوظائفهم.
ويرجع انتشار المحاكم العسكرية بالخصوص إلى تعدّد الانقلابات العسكرية في دول العالم الثالث وسيطرة حكومات عسكرية في تلك الدول تسعى لفرض وجودها واستمرارها من خلال تطبيق قوانين استثنائية بواسطة المحاكم العسكرية.
لذلك فإن الحكومات العسكرية تعمل على توسيع مجال اختصاص محاكمها لتمدّد ولايتها لمحاكمة المدنيّين حتّى وإن ارتكب هؤلاء جرائم حقّ عام زمن السلم.
لذلك اعتبر بعض الفقهاء والمدافعون على حقوق الإنسان أنّ القوانين المنظمة للمرافعات العسكرية تعدّ انتهاكا صارخا لمبدأ المساواة أمام القضاء واعتداءا ينال من حقّ التقاضي وينال من المبادئ العامّة للإجراءات الجزائية.
واعتبر البعض الآخر أنّ إرساء محاكم عسكرية تنظر في جرائم الحقّ العام وتقاضي أشخاصا مدنيين تؤدّي حتما إلى إهدار الضمانات القانونية الممنوحة للمتقاضين، باعتبار أن انعدام الاستقلال والحيدة في القضاء العسكري يعدّ سمة بارزة للقضاء المذكور.
وتطرح عدّة تساؤلات بشأن مدى ملائمة القضاء العسكري للمعايير الدولية للمحاكمة العادلة، باعتبار أن الحق في المحاكمة العادلة من الحقوق الأساسية للإنسان التي عالجتها جلّ المواثيق الدولية لحقوق الإنسان إذ نصّ الفصل 10 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن "لكلّ إنسان على قدم المساواة التّامة مع الآخرين في أن تنظر قضيته محكمة مستقلّة ومحايدة نظرا منصفا وعلنيا، للفصل في حقوقه والتزاماته وفي أي تهمة جزائية توجّه إليه".
ونصّ الفصل 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية أن "من حقّ كلّ فرد أن تكون قضيته محلّ نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلّة حيادية منشأة بحكم القانون".
وقد اتفق الفقهاء أن من بين المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، الحقّ في عدم الإيقاف التعسّفي، والحقّ في الإبلاغ بالحقوق، والحقّ في توكيل محام، والحقّ في افتراض البراءة، والحقّ في سرعة إجراء المحاكمة العادلة، والحقّ في المعاملة الإنسانية، والحقّ في أن تكون المحاكمة أمام قضاء مستقلّ يحقّق الضمانات الجوهرية لمقاربة تحقيق العدالة والإنصاف حتى تصدر الأحكام من قضاة مستقلّين نزهاء محايدين
 لا يتّصفون بالتحيّز للأي جهة وللأي طرف.
وهل يمكن مثلا الحديث عن إشاعة ثقافة حقوق الإنسان عبر الأحكام التي تصدرها المحاكم العسكرية؟
وهل يمكن القول بأنّ القضاء العسكري يكمّل الأجهزة العدلية الأخرى ؟
وهل أن القضاة العسكريين مؤهّلون لقيادة العمل القضائي؟
وهل أن فكرة الاستعانة بالقضاة العدليين للعمل بالمحاكم العسكرية يحقّق العدالة بين البشر ويضفي حماية لأعراضهم وأموالهم وحماية الأموال العمومية؟
وهل يمكن القول أن القضاء العسكري بإمكانه إرساء روح العدالة داخل المجتمع أو على الأقلّ إرساء العدالة داخل المجتمع العسكري؟
وهل بإمكانه صيانة كرامة الأفراد أو على الأقلّ صيانة كرامة العسكريين؟
للإجابة عن هذه الأسئلة يمكن القول أن هناك من يقول بجواز الإبقاء على المحاكم العسكرية أو حتّى تدعيمها وتطويرها باعتبارها محاكم مختصّة تبتّ في نزاعات محدّدة بنصّ القانون (المحور الأول) وأنّ هذه المحاكم لا تختلف من حيث وظائفها وأهدافها عن المحاكم العدلية، باعتبار أن الهدف من القضاء مهما تنوّعت هياكله هو تحقيق العدالة وإرساء المساواة بين جميع المتقاضين.
في حين يرى شقّ آخر أنّه يتحتّم إلغاء المحاكم العسكرية (المحور الثاني) لكون القضاة العسكريين يخضعون لقياداتهم العليا وهو محرّك طبيعي لكلّ نشاطاتهم، أي أن القضاء العسكري لا يضمن الاستقلال وبالتالي فإنّه لا يحقّق النزاهة في أحكامه.
المحور الأول: جواز الإبقاء على المحاكم العسكرية
        لقد ظهر توجّه واضح بعد الثورة من خلال الحكومات المتعاقبة يرمي إلى الإبقاء على المحكمة العسكرية (الفرع الأول) وإلى تطويرها وتوسيع مجال نظرها وذلك بسنّ مراسيم تنقّح وتتمّم مجلّة المرافعات والعقوبات العسكرية وذلك بإحداث محاكم إستئنافية عسكرية وتخويل المتقاضين من ضمانات لم تكن موجودة بالمجلّة المذكورة.
وقد لاقى هذا التوجّه انتقادا كبيرا من بعض رجال القانون ومن بعض المنظمّات الحقوقية التي طالبت بالحدّ من تغوّل القضاء العسكري وتضييق مجال نظره في حدود الجرائم العسكرية (الفرع الثاني) أي الجرائم المرتكبة من العسكريين المتعلّقة بمخالفتهم للنظام العسكري والمرتكبة عادة داخل الثكنات والمعسكرات.
الفرع الأول: الإبقاء على المحكمة العسكرية ذات الإختصاص الواسع
إن الملفت للانتباه في قضائنا العسكري أنّه متعهّد الآن بالعديد من القضايا الهامّة وخاصة منها قضايا شهداء الثورة وجرحاها، وقد بلغ عدد تلك القضايا ما يقارب 275 قضية، وهي قضايا تتعلّق بجرائم القتل والمشاركة في ذلك ومحاولة القتل، وقد تخلّت العديد من المحاكم العدلية (المحاكم الابتدائية بالقصرين وسيدي بوزيد وبنزرت وقفصة وقرمبالية وقابس ومدنين وأريانة وتطاوين وتونس وتونس 2 ومنوبة وبنعروس وزغوان وسوسة والمهدية وصفاقس وقبلي) عن قضايا تهمّ شهداء وجرحى الثورة لفائدة المحكمة العسكرية.
فهل يمكن اعتبار تخلّي المحاكم العدلية لفائدة المحاكم العسكرية عن قضايا كبرى، اعترافا بالأهمية المتميّزة للمحكمة العسكرية أم هو إذعان لمقتضيات القانون وخاصة مجلّة المرافعات والعقوبات العسكرية ؟
إنّ الإجابة عن هذا الإشكال يقتضي ضرورة الاعتراف بأنّ الحكومة المؤقّتة المنبثقة إبّان الثورة والفاقدة للشرعية كانت متمسّكة بإيلاء القضاء العسكري أهمّية قصوى وذلك بالإبقاء على المحكمة العسكرية بل وتطويرها وتوسيع مجال نظرها.
كذلك فإنّ المدافعين عن القضاء العسكري يرون أن المحكمة العسكرية لا تختلف عن المحاكم العدلية وذلك من خلال تحقيقها للمحاكمة العادلة والمحافظة على حقوق المتقاضين وحماية أموالهم وأعراضهم.
كما يؤكّد المدافعون عن المحاكم العسكرية أنّ هذه المحاكم أصبحت بعد صدور المرسومين عدد 69 و70 لسنة 2011 المؤرّخين في 29/07/2011 والمتعلّقين بتنقيح وإتمام مجلّة المرافعات والعقوبات العسكرية وبتنظيم القضاء العسكري وضبط النظام الأساسي للقضاة العسكريين محكمة تضمّن حقوق المتقاضين وتدفع نحو تطوير منظومة حقوق الإنسان.
من ذلك أنّ المرسوم عدد 69 لسنة 2011 المشار إليه أعلاه أقرّ مبدأ التقاضي على درجتين أمام المحكمة العسكرية (الفصل 5 مكرّر جديد والفصل 28 مكرّر جديد).
كما أقرّ المرسوم المذكور في فصله 7 (جديد) بإمكانية إثارة الدعوى العمومية على المسؤولية الخاصّة والقيام بالحقّ الشخصي أمام المحاكم العسكرية أو قضاة التحقيق طبق القواعد والإجراءات المنصوص عليها بمجلّة الإجراءات الجزائية.
وقد ذهب المرسوم عدد 70 لسنة 2011 المشار إليه إلى إعادة تنظيم القضاء العسكري والنّظام الأساسي للقضاة العسكريين محاولا تنظير قضاة المحكمة العسكرية بالقضاة العدليين، فنصّ الفصل 3 منه أنّ القضاة العسكريين يتمتّعون ويمارسون وظائفهم بنفس نظام التأجير والمنح والامتيازات المرتبطة بوظائف قضاة السلك العدلي حسب جدول المطابقة الآتي:
الخطط بالقضاء العسكري
الخطط المطابقة بالقضاء العدلي
وكيل الدولة العام مدير القضاء العسكري
وكيل الدولة العام مدير المصالح العدليّة بوزارة العدل
الرئيس الأوّل لمحكمة الاستئناف العسكرية
(في حالة الحرب وحالة زمن الحرب)
الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بتونس
الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف العسكرية
الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بتونس
مساعد أول لوكيل الدولة العام مدير القضاء العسكري
مدع عام مساعد وكيل الدولة العام مدير المصالح العدليّة
رئيس الدائرة الجنائية الإستئنافية العسكرية
(في حالة الحرب وحالة زمن الحرب)
رئيس دائرة جنائية بمحكمة استئناف
رئيس المحكمة الابتدائية العسكريّة الدائمة بتونس
(في حالة الحرب وحالة زمن الحرب)
رئيس المحكمة الابتدائية بتونس
رئيس المحكمة الابتدائية العسكرية الدائمة بغير تونس
(في حالة الحرب وحالة زمن الحرب)
رئيس محكمة ابتدائية بغير تونس
مساعد أوّل للوكيل العام لدى محكمة الاستئناف العسكريّة
المساعد الأوّل للوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بتونس
رئيس الدائرة الجنائية الابتدائية العسكرية
(في حالة الحرب وحالة زمن الحرب)
رئيس دائرة جنائية بمحكمة ابتدائية منتصبة بمقرّ محكمة استئناف
رئيس الدائرة الجناحية الإستئنافية العسكرية
(في حالة الحرب وحالة زمن الحرب)
رئيس دائرة جناحية بمحكمة استئناف
وكيل الجمهوريّة لدى المحكمة الابتدائية العسكرية الدائمة بتونس
وكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس
وكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية العسكرية الدائمة بغير تونس
وكيل الجمهورية لدى محكمة ابتدائية بغير تونس
مساعد أول لوكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية العسكرية الدائمة بتونس
نائب وكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس
مساعد وكيل الدولة العام مدير القضاء العسكري
مدع عام بإدارة المصالح العدليّة
مستشار بدائرة التعقيب العسكرية
مستشار بمحكمة التعقيب
قاضي تحقيق أوّل
قاضي تحقيق أوّل
قاض منفـرد لدى المحكمة الابتدائية العسكرية الدائمة بتونـس
رئيس محكمة ناحية بتونس
رئيس دائرة جناحية ابتدائية
(في حالة الحرب وحالة زمن الحرب)
وكيل رئيس محكمة ابتدائية
مستشار بمحكمة الاستئناف العسكرية
مستشار بمحكمة استئناف
مساعد الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف العسكرية
مساعد وكيل عام لدى محكمة استئناف
مساعد أول لوكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية العسكرية الدائمة بغير تونس
مساعد أول لوكيل الجمهورية لدى محكمة ابتدائية منتصبة بمقرّّ محكمة استئناف
قاض منفرد لدى محكمة ابتدائية عسكريّة دائمة بغير تونس
رئيس محكمة ناحية منتصبة بمقرّ محكمة استئناف بغير تونس
قاضي تحقيق
قاضي تحقيق
مساعد وكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية العسكرية الدائمة
مساعد وكيل الجمهورية
قاض لدى المحكمة الابتدائية العسكرية الدائمة
قاض لدى محكمة ابتدائية

وضبط الفصل 4 الحدّ الأدنى من الشروط المطلوب توفّرها لإسناد الوظائف كما يلي :

الــوظائــــف
أدنــى الشـروط المطلـوب توفرهـا
وكيل الدولة العام مدير القضاء العسكري
قاض عسكري برتبة عميـد
الرئيس الأوّل لمحكمة الاستئناف العسكرية
(في حالة الحرب وحالة زمن الحرب)
قاض عسكري برتبة عقيد له عامان أقدمية في هاته الرّتبة
الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف العسكرية
قاض عسكري برتبة عقيد له عامان أقدمية في هاته الرّتبة
مساعد أول لوكيل الدولة العام مدير القضاء العسكري
قاض عسكري برتبة عقيد
رئيس الدائرة الجنائية الإستئنافية العسكرية
(في حالة الحرب وحالة زمن الحرب)
قاض عسكري برتبة عقيد
رئيس المحكمة الابتدائية العسكريّة الدائمة بتونس
(في حالة الحرب وحالة زمن الحرب)
قاض عسكري برتبة عقيد
وكيل الجمهوريّة لدى المحكمة الابتدائية العسكرية الدائمة بتونس
قاض عسكري برتبة عقيد
مساعد أوّل للوكيل العام لدى محكمة الاستئناف العسكريّة
قاض عسكري برتبة عقيد
رئيس المحكمة الابتدائية العسكرية الدائمة بغير تونس (في حالة الحرب وحالة زمن الحرب)
قاض عسكري برتبة مقدم له عامان أقدمية في هاته الرّتبة
رئيس الدائرة الجنائية الابتدائية العسكرية
(في حالة الحرب وحالة زمن الحرب)
قاض عسكري برتبة مقدم
رئيس الدائرة الجناحية الإستئنافية العسكرية
(في حالة الحرب وحالة زمن الحرب)
قاض عسكري برتبة مقدم
وكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية العسكرية الدائمة بغير تونس
قاض عسكري برتبة مقدم
مساعد وكيل الدولة العام مدير القضاء العسكري
قاض عسكري برتبة مقدم
مستشار بدائرة التعقيب العسكرية
قاض عسكري برتبة مقدم
قاضي تحقيق أوّل
قاض عسكري برتبة مقدم
قاض منفـرد لدى المحكمة الابتدائية العسكرية الدائمة بتونـس
قاض عسكري برتبة مقدم
مساعد أول لوكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية العسكرية الدائمة بتونس
قاض عسكري برتبة مقدّم
مساعد الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف العسكرية
قاض عسكري برتبة رائد
رئيس دائرة جناحية ابتدائية
(في حالة الحرب وحالة زمن الحرب)
قاض عسكري برتبة رائد
مستشار بمحكمة الاستئناف العسكرية
قاض عسكري برتبة رائد
مساعد أول لوكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية العسكرية الدائمة بغير تونس
قاض عسكري برتبة رائد
مستشار بدائرة جنائية استئنافية عسكرية
قاض عسكري برتبة رائد
قاض منفرد لدى محكمة ابتدائية عسكريّة دائمة بغير تونس
قاض عسكري برتبة رائد
قاضي تحقيق قاض عسكري
برتبة رائد
مساعد وكيل الجمهورية
قاض عسكري برتبة نقيب أو ملازم أوّل له خمسة أعوام أقدمية في هاته الرتبة
قاض لدى المحكمة الابتدائية العسكرية الدائمة
قاض عسكري برتبة ملازم أوّل

ويتّضح من خلال الجدول المذكور أن مشرّع المرسوم عدد 70 المشار إليه سوّى بين النظامين القضائيين العسكري والعدلي من خلال الخطط القضائية ومن خلال الشروط المطلوبة لإسناد الوظائف القضائية.
وذهب المرسوم المذكور إلى أبعد من ذلك فاستلهم منطوق الفصل 69 من دستور 1959 ضمن الفصل 5 من المرسوم الذي نصّ أن "القضاة العسكريون مستقلّون في تأدية وظائفهم عن السّلطة العسكرية ولا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون".
وفي إطار تطوير المنظومة القضائية العسكرية أحدث الفصل 14 من المرسوم عدد 70 لسنة 2011
 مجلسا للقضاء العسكري الذي يرأسه وزير الدفاع الوطني، وينوب هذا الأخير وكيل الدولة العام مدير القضاء العسكري ويتكوّن من الأعضاء التاليين:
-       الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف العسكرية
-       الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف العسكرية
-       أقدم قاضي عسكري من كلّ رتبة قضائية (3 أعضاء)
وأقرّ الفصل 15 لمجلس القضاء العسكري أهلية تسمية الملحقين القضائيين المكوّنين بالمعهد الأعلى للقضاء وسلطة النظر في نقلة القضاة وترقيتهم وتأديبهم والنظر في مطالب الاستقالة وفي مطالب رفع الحصانة وفي كلّ ما يتّصل بسير الشأن الوظيفي للقضاة العسكريين.
إلاّ أنّ ما تجدر الإشارة إليه أن مجلس القضاء العسكري لا يتمتّع بمشروعية انتخابية باعتبار أن جلّ أعضائه معينّون حسب وظائفهم.
وعلى أيّة حال فإن المشرّع التونسي من خلال المرسومين 69 و70 المؤرّخين في 29/07/2011 حرص على أن يكون القضاء العسكري منسجما مع الأحكام والمبادئ العامّة المنظمة للقضاء العدلي والقضاة العدليين، وحاول أن تكون الإجراءات المتّبعة في المحاكمات العسكرية متطابقة والإجراءات المضمّنة بمجلّة الإجراءات الجزائية.
لكن رغم هذا التمشّي الذي اختاره المشرّع التونسي بعد الثورة، فقد نادت عدّة أصوات إلى الحدّ من اختصاص القاضي العسكري خاصة من قبل منظّمات حقوقية وجمعيات وطنية ودولية لاحظت أن توسيع مجال نظر المحكمة العسكرية من شأنه تهديد الحرّيات العامّة لكون القضاء العسكري هو قضاء يفتقد للاستقلالية.
كما نادت نقابات قوّات الأمن الداخلي بالحدّ من اختصاص القاضي العسكري، وذلك على إثر تفعيل الفصل 22 من القانون عدد 70 لسنة 1982 المؤرخ في 06/08/1982 المتعلّق بضبط القانون الأساسي العام لقوات الأمن الداخلي الذي ينصّ "أنّ المحاكم العسكرية تتعهّد بالقضايا الجزائية التي يكون أحد أعوان قوات الأمن الداخلي طرفا فيها إذا حصلت الواقعة في نطاق مباشرة العمل أو بمناسبته وأن يكون الفعل الإجرامي له مساس بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي أو بحفظ النظام أثناء الإجتماعات العامّة والمواكب والاستعراضات والمظاهرات والتجمّع".
وطالب بعض رجال القانون بتخصيص نظر المحاكم العسكرية بالعسكريين دون سواهم ولغاية حماية المصلحة العسكرية المتعلّقة بنظام القوّات المسلّحة وبأمنها وسلامتها وبحسن أداء وظيفتها، واعتبار جهاز القضائي العسكري جهازا قضائيا متخصّصا بتطبيق القانون الجزائي العسكري على فئة خاصة من أفراد المجتمع وهم العسكريون عند ارتكابهم للجرائم العسكرية البحتة التي تنال من النظام العام العسكري
 أو بمناسبة مباشرتهم للوظيفة العسكرية أو لمخالفتهم لقواعد الانضباط المرتبطة بالحياة العسكرية.
الفرع الثاني: تحديد اختصاص المحكمة العسكرية
لئن ذهب المرسوم عدد 69 لسنة 2011 المؤرّخ في 29/07/2011 المتعلّق بتنقيح وإتمام مجلّة المرافعات والعقوبات العسكرية نحو توسيع ولاية المحاكم العسكرية وتخويله البتّ في الجرائم التي يرتكبها العسكريون أثناء أدائهم لوظائفهم العسكرية وبسببها وحتى جرائم الحقّ العام التي لا علاقة لها بالوظيفة العسكرية ولا تنال من النظام العام العسكري التي يرتكبها عسكري خارج الخدمة (الفصل 6 جديد من المرسوم المشار إليه أعلاه)، فإنّ ذلك التوجّه لم يلق استحسان رجال القانون وفقهائه الذين نادوا بالتراجع عن ذلك الفصل والرجوع إلى القانون عدد 56 لسنة 2000 المؤرّخ في 13/06/2000 الذي كان وجيها من حيث تحديد مجال نظر المحكمة العسكرية في حدود الجرائم العسكرية البحتة أو الجرائم المرتبطة بها.
ويعتبر المدافعون عن تقليص مجال نظر القضاء العسكري أنّ القانون عدد 56 لسنة 2000 المؤرّخ في 13/06/2000 يشكّل أهم تعديل طرأ على صلاحيات المحاكم العسكرية في تونس، ذلك أنّه اشترط توفّر الصفة العسكرية واقترانها بطبيعة وموضوع الجريمة أي أنّ الصفة العسكرية لم تعد وحدها كافية لتعهّد المحاكم العسكرية إلاّ إذا ارتكب العسكري جريمة ذات طبيعة عسكرية بحتة.
ويؤكّد ذلك الشقّ أنّه بإمكان المحاكم العسكرية تحقيق المحاكمة العادلة بعد تحقّق جملة من العوامل منها تطهير المنظومة القانونية المنظّمة للمحكمة العسكرية([2])، ومنها إلغاء خطّة وكيل الدولة العام مدير القضاء العسكري([3]) واعتماد شرطي النزاهة والكفاءة عند إلحاق القضاة العدليين بالمحاكم العسكرية.
ويرى الشقّ المنادي بالحدّ من تغوّل القضاء العسكري أنّه أضحى من اللاّزم قصر مجال نظر المحاكم العسكرية بالجرائم العسكرية البحتة أي تلك التي لا يتصوّر ارتكابها إلاّ من قبل العسكريّين أو تلك التي ترتكب داخل المعسكرات والثكنات، وهي الجرائم المصنّفة كالتالي:
1-  جرائم التفصّي من الخدمة العسكرية:
-       التخلّف عن أداء الواجب العسكري
-       الفرار من الجندية
-       الفرار من محلاّت الإيقاف
-       التشويه عمدا قبل التجنيد أو بعده
-       افتعال خزعبلات لتخليص النفس أو الغير من الخدمة العسكرية
2-  الجرائم المخلّة بالواجب العسكري:
-       مغادرة مركز المهمّة
-       النوم أثناء الحراسة
-       مخالفة التعليمات
3-  الجرائم الماسّة بالانضباط العسكري:
-       عدم إطاعة الأوامر
-       الإعتداء على من هو أعلى أو أدنى منه رتبة
-       تحقير من هو أدنى منه رتبة
-       الإعتداء على من هو أعلى رتبة
-       إساءة استعمال السلطة
-       تجاوز حدود السلطة
4-  جرائم الاعتداء على النظام والأمن العسكري:
-       المسّ من كرامة الجيش وتحقير العلم
-       العمل على إضعاف الروح المعنوية
-       التآمر العسكري والتحريض
-       الخيانة والتجسّس والتجنيد لصالح العدوّ
-       الانتماء إلى الأحزاب السياسية والعمل السياسي
5-  جرائم الاعتداء على الأملاك العسكرية:
-       اختلاس متاع الجيش
-       بيع وشراء متاع الجيش
-       إتلاف الذخيرة والأسلحة
-       انتحال الألبسة والأوسمة والشارات وارتداء زيّ لا حقّ له فيه
-       الإتلاف والتخريب والنهب
والجدير بالذكر أن المحاكم العسكرية التونسية تتعهّد بقضايا ذات صبغة عسكرية بحتة وهي قضايا يرتكبها العسكريون، وهم الضبّاط على اختلاف رتبهم والمستخدمون في الجيش أو القوّة المسلّحة أو المنتمون إلى قوّة عسكرية وتلامذة الأكاديميات العسكرية والمدارس العسكرية والضباط المتقاعدون والضباّط الصف الإحتياطيون المدعوّون للخدمة في الجيش.
ولكن تلك المحاكم تتعهّد كذلك بقضايا يرتكبها المدنيون كفاعلين أصليين، كأن يعمد مدني إلى ارتكاب جرم داخل مؤسّسة عسكرية أو يضرّ بمصالح الجيش الوطني أو يتخلّف عن أداء الواجب العسكري أو يقوم بتحقير الجيش، كما يمكن للمدني أن يكون شريكا في جريمة عسكرية يكون فاعلها الأصلي عسكري.
ويمكن أن يحاكم المدنيون أمام المحكمة العسكرية وهم المدنيون المحترفون المنتدبون كفنّيين
 أو أصحاب مهارات مهنية أو مكوّنين أو مدرّسين إذا ما ارتكبوا أفعالا تمسّ بالمصلحة العسكرية، كما يخضع أسرى الحرب من المدنيين إلى القضاء العسكري حسب مجلّة المرافعات والعقوبات العسكرية والفصل 82 من اتفاقية جينيف([4]).
وقد ذهبت عدّة نظم إلى الحدّ من ولاية المحاكم العسكرية، من ذلك أن القانون البريطاني منع امتداد ولاية المحاكم العسكرية على المدنيين في الظروف العادية وغير العادية، واعتبر أنّه لا يجوز اللّجوء إلى المحاكم العسكرية وتطبيق القوانين العسكرية إلاّ في حالة الحرب وشريطة عدم قدرة المحاكم المدنية من مباشرة أعمالها.
واستقرّ النظام الدستوري والقانوني في بريطانيا على عدم امتداد القانون العسكري أو ولاية المحاكم العسكرية على المدنيين لأنّ المحاكم العادية هي صاحبة الولاية والاختصاص الأصلي.
وقد أوصت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في عدّة مناسبات أن تقنّن التشاريع في اتّجاه محاكمة المدنيين أمام المحاكم المدنية واستبعاد المحاكم العسكرية.
واعتبر المقرّر الخاص المعني باستقلال القضاة والمحامين أنّه لا يجوز استخدام المحاكم العسكرية لمحاكمة المدنيين معتبرا أنّ القضاء العسكري لا يمكن استخدامه إلا في نطاق ضيّق.
ورأت عدّة منظّمات تابعة للأمم المتحدة أنّه إذا كان وجود لاستمرار المحاكم العسكرية فإنّه يتعيّن مراعاة الجوانب التالية:
·        عدم جواز محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية
·        عدم جواز محاكمة العسكريين إذا كان المجني عليهم من المدنيين
·        عدم جواز محاكمة المدنيين والعسكريين في حالات التمرّد والعصيان
وأشارت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن ولاية نظر القضاء العسكري يجب أن تكون ضيّقة لأنّ القضاة العسكريين غير مستقلّين ولا محايدين نظرا لطبيعة الهيئة التي ينتمون إليها.
وذكّرت اللّجنة الأمريكية لحقوق الإنسان أنّه يجب محاكمة المواطنين بموجب القانون والعدالة الطبيعية وأمام قاضي طبيعي، ومن ثمّ ينبغي ألاّ يخضع المدنيون لمحاكم عسكرية.
ويرى البعض أنّه إذا كان هناك استمرار لبقاء المحاكم العسكرية ولو بصفة مؤقتة فإنّه يتجه خلال هذه الفترة الإنتقالية جعل المحاكم العسكرية تحت إشراف الهيئة العليا المؤقتة التي سيقع إحداثها للإشراف على القضاء العدلي واستبعاد مجلس القضاء العسكري المحدث بموجب الفصل 14 من المرسوم عدد 70 لسنة 2011 المؤرّخ في 29/07/2011 الذي يرأسه وزير الدفاع وينوبه عند الإقتضاء وكيل الدولة العام مدير القضاء العسكري.
وعلى أيّة حال، فإن كان المدافعون عن الحدّ من ولاية نظر المحاكم العسكرية في حدود الجرائم ذات الطبيعة العسكرية، واعتبارهم أن القضاء العسكري يجب أن يبقى قائما للبتّ في تلك الجرائم نظرا لخصوصيتها وخصوصية صفة مرتكبيها، فإنّ البعض الآخر يعتبرون أن المحاكم العسكرية هي محاكم استثنائية لم يعد لها موقع زمن السلم، وقد حان الوقت لإلغائها.
المحور الثاني: وجوب إلغاء المحاكم العسكرية
لا شكّ أن الإبقاء على المحاكم العسكرية زمن السلم يثير مسائل خطيرة تتّصل بالحق في المحاكمة العادلة، وذلك للأسباب التالية:
·    باعتبار أن إرساء قضاء استثنائي عسكري زمن السلم يحول دون تمكين الفرد من التمتّع بالعدالة الطبيعية أمام القاضي الطبيعي وهو القاضي العدلي.
·   إنّ احترام الشرعية ومواكبة التطورات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان توجب إلغاء النصوص الشاذة المضمنة بالقوانين ذات العلاقة بالقضاء العسكري.
·         إنّ الحقّ في محاكمة عادلة أمام محكمة مدنية مستقلّة وحيادية هو حقّ مشروع لكلّ فرد حتّى وإن كان عسكريا.
·        إنّ القانون العام هو صاحب السيادة والسموّ وإنّ المحاكم العادية هي صاحبة الولاية والاختصاص الأصلي.
·   أنه لا يجوز الاعتراف بولاية المحاكم العسكرية في الظروف العادية وغير العادية زمن السلم ولا يجوز للقانون العسكري أن يطبّق إلاّ في حالة الحرب.
وقد عبّر شرّاح القانون والمدافعون عن حقوق الإنسان والحرّيات العامّة أنّه لا ضرورة لإجراء محاكمات عسكرية يطبّق فيها القانون العسكري أمام المحاكم العسكرية زمن السلم، باعتبار أنّ العسكري هو مواطن مدني قبل أن يتّصف بتلك الصفة ممّا يكون لزاما إخضاعه أصالة للقضاء العدلي ضمانا لتحقيق المساواة بين المواطنين كافة باحتكامهم لنفس الجهاز القضائي.
وقد عانى الأفراد في كامل أنحاء العالم من ظلم المحاكم العسكرية وعدم نزاهتها وعدم استقلاليتها، لذا فإنّنا مدعوّون اليوم إلى مراجعة منظومتنا القضائية وإلغاء المحاكم العسكرية لعدّة أسباب من بينها :
- أسباب تاريخية (الفرع الأول) وهي التي تذكّرنا بما عاناه المعارضون والسياسيون المناهضون للنظام البائد والنظام البورقيبي منذ فجر الاستقلال اللذان استعملا المحكمة العسكرية لإعدام خصومهما السياسيين وتهجيرهم وتجويعهم.
- أسباب واقعية (الفرع الثاني) وهي التي تدعونا كذلك للمطالبة بإلغاء المحاكم العسكرية ضمانا لاستقلالية المحاكم ودفاعا عن حقوق الأفراد وتجنّبا لأشكال الاستبداد.
الفرع الأول: الأسباب التاريخية
إن المتأمّل في القضاء العسكري يلاحظ أن الوجود القانوني للمحكمة العسكرية أنشئ بموجب الأمر المؤرّخ في 10/01/1957 باسم مجلّة المرافعات والعقوبات العسكرية أي قبل وضع دستور غرّة جوان 1959 المنظّم لمؤسّسات الدولة وهو ما يطرح مسألة عدم دستورية المحكمة العسكرية.
وقد كانت المحكمة العسكرية حسب رأي المتابعين للمشهد القانوني محكمة استثنائية غير مستقلّة وخاضعة للسلطة التنفيذية، لذلك فهي محكمة تابعة وغير محايدة ولا تتوفّر فيها الضمانات المخوّلة قانونا للمتقاضين ولا تحترم المعايير الدولية للمحاكمة العادلة.
ويرى البعض أن المحكمة العسكرية في تونس هي هيكل قضائي خاضع للسلطة التنفيذية، عمل منذ بعثه على محاكمة السياسيين وتسليط أقسى العقوبات عليهم، ونذكر على سبيل المثال قضية المرحوم لزهر الشرايطي خلال سنة 1962 على إثر اتهامه بمحاولة انقلاب عسكري على النظام البورقيبي، وقد وجّهت التهمة آنذاك إلى ضبّاط عسكريين وعدد من المدنيين وصدر حكم يقضي بإعدام المناضل لزهر الشرايطي صحبة عدد من رفاقه، والملفت للانتباه أنّه رغم مرور حوالي 47 عاما على تنفيذ حكم الإعدام فإنّ عائلة لزهر الشرايطي لم تتمكّن من معرفة مكان دفنه ولم يقع العثور على أي أثر كتابي لدى الأجهزة الأمنية والقضائية بشأن مكان الدفن.                                    الشهيد لزهر الشرايطي
 وقد أصدرت المحكمة العسكرية آنذاك أحكاما قاسية في حقّ المتّهمين تراوحت بين الإعدام والأشغال الشاقة والسجن (همس الحرّية: مقال الالكتروني بتاريخ 28/09/2010 بعنوان من أجل البحث على المسكوت عنه، انقلاب سنة 1962) فقضت بإعدام عمر البنبلي وكبير المحرزي (الحارس الشخصي لبورقيبة والذي اتهمته وسيلة بالتجسّس عليها في غرفة النوم) وصالح الحرشاني وعبد الصادق بن سالم والمنصف الماطري وحمادي قيزة والحبيب بركية وهم من العسكريين والحبيب حنيني والهادي القفصي والأزهر الشرايطي وعبد العزيز العكرمي وأحمد الرحموني والمسطاردي بن سعيد وهم من المدنيين، وقضت المحكمة بالأشغال الشاقة المؤبدة محمد الصالح البراطلي وساسي بويحي، بعشرين عاما أشغالا شاقة على العربي العكرمي وعلي كشك وعبد القادر بن يشطر وأحمد التيجاني وتميم بن كامل التونسي، 10 سنوات أشغال شاقة على علي القفصي وعزالدين الشريف، و5 اعوام أشغال شاقة على علي الكفلي الشواشي وعامين سجنا على محمد العربي المثناني وحسن مرزوق وعام سجنا على العربي الصامت.                                                      الشيخ أحمد الرحموني
الجهة
الحكم
الصفة
الاسم واللقب
أصيل ولاية قفصة
الإعدام
أستاذ عربية بجامع الزيتونة المعمور
الشيخ عبد العزيز العكرمي
أصيل ولاية القصرين
الإعدام
خريج جامع الزيتونة أستاذ بالشعبة العصرية بمعهد ابن شرف
الشيخ أحمد الرحموني
أصيل ولاية قفصة
الإعدام
القائد العام لجيش التحرير الوطني
الأزهرالشرايطي
أصيل ولاية قفصة
الإعدام في حالة الفرار
ناشط يوسفي لاجئ بالجزائر
المسطاري بن بوبكر بن سعيد
أصيل ولاية قفصة
الأشغال الشاقة المؤبدة
مساعد ثاني لقائد جيش التحرير
الساسي بو يحي
أصيل ولاية بنزرت
الأشغال الشاقة المؤبدة
مقاوم قديم
محمد صالح البراطلي
أصيل ولاية بنزرت
الأشغال الشاقة المؤبدة
يشتغل بالقضاء قبل أن يقال ليمتهن الفلاحة بجهة الكاف
أحمد التيجاني
أصيل ولاية قفصة
10 سنوات سجنا
مدرس خريج جامع الزيتونة
عز الدين الشريف
أصيل ولاية بنزرت
الإعدام
مدرس خريج جامع الزيتونة
الهادي القفصي
أصيل ولاية بنزرت
الإعدام
مدرس خريج جامع الزيتونة
الحبيب الحنبني
أصيل ولاية قفصة
الأشغال الشاقة 20 سنة
شيخ تراب من قادة المقاومة
العربي العكرمي
أصيل ولاية قفصة
الأشغال الشاقة 20 سنة
شيخ تراب من قادة المقاومة
علي كشك
القيادة العسكرية
الحكم
الصفة
الإسم واللقب
الإعدام
خريج مدرسة سانسير العسكرية الفرنسية
محمد الحبيب بركية
الإعدام ثمّ خفّف إلى الأشغال الشاقة
خريج مدرسة سانسير العسكرية الفرنسية
محمد قيزة
الإعدام ثمّ خفّف إلى الأشغال الشاقة
خريج مدرسة سانسير العسكرية الفرنسية
المنصف الماطري
الإعدام
ضابط سابق بالجيش المصري والجيش السوري
عمر البنبلي
الإعدام
ضابط بالجيش الفرنسي أو حرس الباي على وجه التدقيق
عبد الصادق بن سعيد
الإعدام
نقيب مكلف بحراسة القصر الرئاسي
كبير المحرزي
الإعدام
ملازم مشرف على حامية قفصة
صالح الحشاني
التنفيذ:
وقد نفذت أحكام الإعدام في المحكوم عليهم بتاريخ 24/01/1963 مع استثناء المنصف الماطري ومحمد قيزة اللذان أبدل الحكم في شأنهما إلى الأشغال الشاقة([5]).
ويشهد المؤرخّون أن تلك المحاكمة العسكرية كانت تصفية حسابات مع معارضي الحبيب بورقيبة، وكان في تلك الفترة الباجي قائد السبسي مديرا للأمن قبل أن يصبح وزيرا للداخلية (مدونة تونس، مقال الكتروني بتاريخ 16/02/2011 تحت عنوان مدبروا المحاولة الانقلابية سنة 1962، لغز التعجيل بالمحاكمة وتنفيذ الأحكام) والذي يتّهمه البعض بإنجاح تلك القضية بعد قمع وتعذيب وقتل الأبرياء وأصحاب الرأي المعارض (وهو الآن محلّ شكاية جزائية بالمحكمة الابتدائية بتونس).   الباجي قائد السبسي
 ويذهب النقاد إلى التذكير بالقضايا السياسية ومحاكمة الرأي التي انتهجها نظام بن علي المخلوع بدء بسنة 1992، أي بعد إلغاء محكمة أمن الدولة سنة 1987، مما جعل البعض يقول أن المحكمة العسكرية كانت وريثة محكمة أمن الدولة آنذاك، وفي تلك القضايا تمّ خرق المبادئ الإجرائية العامّة وخرق حقوق الدفاع، وأصدرت المحكمة العسكرية آنذاك حكما بالسجن المؤبّد على 46 معارضا سياسيا([6]).
                                                                                  علي العريض
وقد أحيل خلال تلك الفترة المتراوحة بين 9 جويلية و30 أوت 1992، مائتين وتسعة وسبعين (279) متّهما أمام القضاء العسكري في القضية الأولى عدد 76110 التي نظرت فيها المحكمة العسكرية ببوشوشة والقضية الثانية عدد 76111 التي نظرت فيها المحكمة العسكرية بباب سعدون بتهمة التآمر والعمل على تغيير هيئة الدولة، وقد وجّه الاتهام آنذاك إلى قيادي حركة النهضة من بينهم علي العريض وزياد الدولاتي والحبيب اللوز.... ومجموعة طلائع الفداء   زياد الدولاتي      الحبيب اللوز
ومجموعة براكة الساحل.
وسجّلت خلال تلك المحاكمات تجاوزات عدّة منها عدم تسخير قاضي التحقيق العسكري لمحامين للدفاع عن المتّهمين رغم خطورة الجرائم المنسوبة إليهم، ومنع بعض المحامين من دخول مقرّ المحكمة العسكرية لحضور استنطاق منوّبيهم لدى التحقيق رغم توصلّهم بالإستدعاءات، وقد أفاد بعض المحامون أن الشرطة العسكرية منعتهم من دخول مقرّ المحكمة بأمر من أحد قضاة التحقيق الذي جابه المتّهمين بأن الإستدعاءات بلغت إلى محاميهم وأن هؤلاء أخلّوا بواجباتهم ولم يحضروا للدفاع عنهم والذي كان حسب بعض المتهمين يملي على كاتبه عكس ما يقولون له([7]).
كما أفاد بعض المتهمين أن قاضي التحقيق المذكور هدّدهم بإرجاعهم لفرقة أمن الدولة إن هم تراجعوا عن اعترافاتهم، كما هدّدهم بأنهم معرّضون للتعذيب مجدّدا أمام تلك الفرقة، مضيفين أن قاضي التحقيق رفض تسجيل معاينته لأثار العنف التي كانوا يحملونها([8]).
كما أفاد بعض المحامين أن أحد قضاة التحقيق أصدر بطاقة جلب ضد المتّهم فيصل بركات بتاريخ 22/05/1992 وأخرى في 25/05/1992 والحال أنّ المتّهم المذكور توفّي تحت التعذيب بمركز الأمن بنابل منذ 08/10/1991([9])، ليعلن فيما بعد عن وفاته إثر حادث مرور قاتل بطريق الغرابي الرابطة بين منزل بوزلفة وشاطئ سيدي الرايس حسب المحضر عدد 745 بتاريخ 11/10/1991 المحرّر من قبل رئيس مركز حرس المرور بمنزل بوزلفة.   الشهيد فيصل بركات
كما يؤخذ من تلك المحاكمات خرق للسرّية التي أوجبها القانون، بعد أن عمد وزير الداخلية آنذاك عبد الله القلال من كشف وقائع القضية في ندوة صحفية بتاريخ 22/05/1991 (قبل ختم البحث الذي تمّ في 29/05/1992) تمّ خلالها عرض المحجوز إعلاميا وهو خرق لواجب تأمين المحجوز لدى كتابة المحكمة.
ويؤخذ كذلك من المحاكمة ما ينسب لرئيس الجلسة من تهجّم على المتهمين الذي اعتبره المحامون إدانة مسبقة وانحياز كامل للاتهام.                                                                            عبد الله القلال
ومن غرائب تلك المحاكمة المنعقدة بمحكمة باب سعدون أن النيابة طالبت بإعدام الشركاء والسجن للفاعلين الأصليين.
وتمسّك الدفاع (الأساتذة محمد شقرون، البشير الفرشيشي، عبد الرؤوف العيادي، محمد نجيب الحسين، لطفي الباجي، خليفة المقدماني، سعيدة العكرمي، نورالدين البحيري، زهور كوردة، حاتم كوردة، عبد الوهاب المعطّر، زين العابدين الوسلاتي، شوقي الطبيب، أنور الحجلاوي، نجيب بن يوسف، سميرة كراولي، فريد نصري، نعمان الفقيه والعديد من المحامين الشبّان المتمرّنين في تلك الفترة) بعدم اختصاص المحكمة العسكرية في القضية المذكورة واعتبروا أنّه وقع حشر القضاء العسكري في نزاع مدني وسياسي وعرضوا ما تعرّض له منوّبوهم من أشكال غير إنسانية من التعذيب مؤكّدين أنّ الباحث لم يحترم الحدود القصوى للإيقاف التحفظي، مؤكّدين كذلك بأن المحاكمة سياسية وأن منوّبيهم لم يمارسوا إلاّ حقوقا دستورية وأساسا حق التنظيم والتظاهر والتعبير.
كما رسم القضاء العسكري في إطار قضايا مكافحة الإرهاب سواء تطبيقا للفصل 52 مكرّر من المجلّة الجنائية (الذي أضيف سنة 1993 بموجب تنقيح للمجلّة الجنائية) أو سواء تطبيقا للقانون عدد 75 لسنة 2003 الصادر بتاريخ 10/12/2003 والمتعلّق بدعم المجهود الدولي لمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال، صورة مشوّهة للقضاء التونسي في ضرب الحرّيات العامّة وخرق قواعد القانون الإنساني وخاصة انتهاك مبدأ عدم رجعية القانون وتهديد قضاة التحقيق للمتّهمين ومحاكمة هؤلاء من أجل أفكارهم وقناعاتهم وممارستهم الدينية.
وقد أحيل العشرات من المتّهمين على القضاء العسكري ونالوا عقوبات قاسية في ظلّ محاكمات جائرة مثلما تعرّض إليه الطلبة التونسيين ومنهم سيف الله بن حسين الذي حكم عليه بالسجن لمدّة 46 سنة على خلفيّة نضاله داخل الحركة الطلابية سنة 1987 والذي فرّ من تونس نحو المهجر ليتمّ القبض عليه من قبل السلطات التركية سنة 2003 وتسليمه إلى سلطات النظام البائد.                                                                             سيف الله بن حسين
وقد تعرّض القضاء العسكري إلى انتقادات من قبل المفوضية السامية واللجنة الدولية للصليب الأحمر ومن المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية التي طالبت بإلغاء المحاكم العسكرية الاستثنائية.
الفرع الثاني: الأسباب الواقعية
لقد كانت الثورة التونسية التي أسقطت النظام الاستبدادي القائم على السرقة والفساد ثورة تؤسّس للحرّية والعدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية، وهي ثورة ترفض الدكتاتورية البوليسية الفاسدة والمنظومة الحزبية والأمنية المتغطرسة وترفض اللاّمساواة.
وقد نادى أفراد الشعب منذ اندلاع الثورة بضرورة تحقيق الكرامة للإنسان وتحقيق المساواة بين جميع المواطنين وتطهير القضاء وبناء قضاء مستقل.
لذلك كان لا بدّ من أن يكون لهذه الثورة صداها على الحرّيات العامة والفردية وأن يكون لها انعكاس على إصلاح مؤسّسات الدولة وخاصة إصلاح المنظومة القضائية.
فهل يعقل أن يتواصل بعد ثورة الحرّية والكرامة العمل بالقوانين الاستثنائية المكرّسة للاّمساواة وأن يتواصل تدعيم المحاكم العسكرية وتوسيع مجال اختصاصها وإحالة قضايا شهداء الثورة على تلك المحاكم؟
وهل يعقل أن يعهد لقضاة عسكريين يخضعون للأوامر العسكرية أن يتعهّدوا بأهمّ القضايا التي تشدّ الرأي العام الداخلي والخارجي؟
 وهل أن مجرّد تنقيح النصوص القانونية وإصدار المراسيم من سلطة فاقدة للشرعية، كافية لتحرير القضاة العسكريين من قيود التعليمات؟
وهل أنّ تطعيم المحاكم العسكرية بقضاة عدليين يكفي للدفع نحو الاستقلالية؟ وما هي المقاييس المعتمدة في انتقاء القضاة العدليين؟ هل هي استقلاليتهم ونزاهتهم؟ أم ولاءاتهم السابقة للإدارة؟
إن الرأي عندنا، أن النصوص القانونية الواردة بالمرسومين عدد 69 و70 لسنة 2011 المؤرّخين في 29/07/2011 لا يمكن أن تحقّق استقلالية القضاة العسكريين وتحريرهم من القيود والتعليمات العسكرية طالما أن الواجبات المحمولة على العسكريين هي نفسها المحمولة على القضاة العسكريين وطالما أنّه لم يقع إلغاء الصفة والرتب العسكرية لقضاة المحكمة العسكرية، باعتبار أن المسألة لا تهمّ وجود النصوص
أو تغييرها وإنمّا تهمّ الثقافة العسكرية السائدة لدى العسكريين وواجب رضوخهم إلى التعليمات والطاعة.
كما أن عدم وجود هيكل مستقلّ يتمتع بالشرعية الانتخابية يسيّر جهاز القضاء العسكري ويتولّى الإشراف على شؤون القضاة وترقيتهم ونقلتهم يزيد في تعكير حالة القضاة العسكريين.
وأنّ عدم وجود منظّمة أو جمعية تدافع عن الحقوق المادية والمعنوية للقضاة العسكريين تحول دون مطالبة هؤلاء بتحسين وضعياتهم والمطالبة بالدفاع عن مصالحهم.
وما يلفت الانتباه بعد الثورة المباركة سواء في تونس وفي مصر أنّ المحاكم العسكرية لازالت تلعب نفس الدور التقليدي الذي كانت تلعبه قبل الثورة.
فقد عبّرت اللجنة العربية لحقوق الإنسان عن استنكارها من إحالة المدوّنين والصحافيين على القضاء العسكري المصري من أجل آرائهم ونادت المهتمّين بحرّية الرأي والتعبير إلى عقد اجتماعات تنسيقية في الموضوع.
وتوجّهت المنظمّة التونسية لمناهضة التعذيب للحكومة التونسية بجملة من التوصيات لتحسين أوضاع حقوق الإنسان ومنها وجوب تخلّي المحاكم العسكرية على النظر في قضايا شهداء الثورة وإحالتها ضمن المسلك القضائي العادي أو على دوائر جنائية متخصّصة ومكونّة في إطار آلية العدالة الانتقالية.
وقد نبّه رجال القانون والمدافعون عن حرّية الرأي والتعبير في تونس أن مواصلة إحالة المدنيين على المحاكم العسكرية يشكّل انتهاكا لمبدأ المساواة أمام العدالة، وعبّروا عن استنكارهم لما حدث في قضية محافظ الشرطة أعلى "سمير الفرياني" الذي تمّ اختطافه صبيحة يوم 29 ماي 2011 بعد أن أدلى بتصريحات لجريدة "الخبير" حول إتلاف أرشيف البوليس السياسي وبقاء الفساد ورموزه بوزارة      سمير الفرياني
الداخلية([10])، وتمّ إحالته على المحكمة العسكرية بموجب شكاية تقدّم بها وزير الداخلية آن ذاك "الحبيب الصيد". وقد انتقدت عدة منظمات حقوقية الخلفيات التي كانت وراء تلك القضية التي تمت بإذن من رموز حكومة "الباجي قائد السبسي" ومنها منظمة "هيومن رايتس" و"منظمة حريّة وإنصاف" و"المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب" ومجموعة من الحقوقيين نذكر منهم الأساتذة "محمد عبو" و"سمير بن عمر" و"محمد النوري"...الذين اعتبروا أن تلك القضية هي محاكمة للرأي([11]).                    الحبيب الصيد
كما أن محاولة إحالة القاضي " فرحات الراجحي" على القضاء العسكري وطلب رفع الحصانة عنه كان بمثابة السابقة الخطيرة في تاريخ تونس بعد الثورة ومحاولة من حكومة "الباجي قائد السبسي" الالتفاف على مكتسبات الثورة وضرب حرّية التعبير، وقد جوبهت تلك المحاولة الفاشلة بتحرّكات شعبية كامل البلاد، وكان لجمعية القضاة التونسيين رأي في الموضوع بعد إصدارها لبلاغ شديد اللهجة بتاريخ 09/05/2011 أوردت فيه أن ما صرّح به الزميل "فرحات الراجحي" يندرج في إطار حرّية التعبير وطلبت وقف التتبعات الجزائية ضدّه ورفضت محاكمته من أجل                  فرحات الراجحي
آرائه قبل أن يحاكم المجرمون وقتلة الشهداء ورموز الفساد ورأت أنّه من الغريب الإسراع في تتبع شخص من أجل آرائه في مقابل التباطؤ في محاسبة المجرمين الحقيقيين، كما تجسّدت مساندة الزميل في تحرّكات قامت بها الجمعية بوقفة احتجاجية أمام وزارة العدل بتاريخ 09/05/2011 زمن انعقاد المجلس الأعلى للقضاء المنحل للنظر في رفع الحصانة ثمّ في وقفة ثانية يوم 14/05/2011 مما أدى إلى إنفراج الأزمة والتراجع عن تتبع الزميل.
والملاحظ إنّ تعهد المحكمة العسكرية بقضايا الشهداء وجرحى الثورة، لقي معارضة من الحقوقيين الذين رأوا إن المحكمة سعت في تلك القضايا إلى طمس الحقائق والإفلات من العقاب وتقديم كباش فداء على ضوء عجز القضاء أو عدم رغبته في تعميق الأبحاث، وندّد بعضهم بموقف المكلّف العام بنزاعات الدولة الذي لم يعارض مبدأ التعويض والمبالغ المزمع صرفها للغرض على الرغم من أنّه ملزم بمناقشتها باعتباره مؤتمنا على أموال المجموعة الوطنية([12]) وباعتبار أن طلب التعويض حسب رأينا يبقى من اختصاص المحكمة الإدارية دون غيرها وفق أحكام الفصل 17 من قانون غرة جوان 1972 الذي خص المحكمة الإدارية باختصاص مطلق للبت في المسؤولية الإدارية وفي الأخطاء الصادرة عن أعوان الدولة.
وتجدر الملاحظة أن المحاكم العسكرية في تونس تتعرّض إلى انتقادات كبرى بعد تعهدها بقضايا شهداء وجرحى الثورة.
فهل يعقل مثلا أن تتعهد المحكمة العسكرية بالكاف في قضية واحدة بـ23 شهيد و609 جريح (القضية عدد 95646) والحال أن الجرحى والشهداء قد سقطوا في أماكن مختلفة وتواريخ متباعدة وأن ظروف وملابسات كلّ واقعة تختلف عن الأخرى، وقد كان من الجدير تفكيك كلّ ملف بقضية منفردة.
وهل يمكن لقضاة المحكمة العسكرية بتونس وصفاقس والكاف والذين لا يتجاوز عددهم ال50 قاضيا (منهم قاضي تحقيق 1 بالكاف وقاضيي تحقيق بصفاقس و4 قضاة تحقيق بتونس) التعهّد بقضايا شهداء الثورة التي تجاوزت 275 قضية في ظلّ قانون لا زال يكرّس قواعد قانونية تقليدية تجرّم "عدم إطاعة الأوامر"
و"مخالفة التعليمات" ؟
وهل من المعقول رصد أموال كبرى ومصاريف طائلة لمؤسّسة المحكمة العسكرية مقابل نسبة القضايا التي تنشر أمامها سنويا والتي لا تمثّل حتّى 2 % من جملة القضايا المنشورة أمام المحاكم العدلية ؟
وهل يمكن أن نقارن القضاة التابعين للقضاء العدلي بقضاة المحكمة العسكرية من حيث استقلالية القرار والتحرّر من قيود التعليمات ؟
في نظرنا أنّه لا مجال للمقارنة بين المنظومتين القضائيتين، ذلك أنّه بالرّغم من كون القضاء العدلي كان يعاني من تبعية للسلطة التنفيذية وكان ينفّذ التعليمات التي تصدر له سواء مباشرة من وزير العدل
أو حتى من عائلات متنفّذة، فقد كان للقضاء العدلي تاريخ زاهر بالأحكام والقرارات المكرّسة للاستقلالية والنزاهة والحياد.
وقد أصدر العديد من القضاة أحكاما تقضي بتبرئة ساحة المعارضين السياسيين للنظام وأحكاما تتخالف ومصالح المتنفذين من عائلة الرئيس السابق أو من الحزب الحاكم آنذاك.
إلا أن إدارة القضاء كانت تنتهج أساليب ملتوية وتتولى تعيين القضايا الخاصة لدى القضاة المعروفين بموالاتهم للنظام مقابل أن يحصل هؤلاء القضاة على مناصب وامتيازات داخل السلطة القضائية.
ولعلّ أبرز ما يمكن الإشارة إليه أن القضاء العدلي يمتاز عن القضاء العسكري بكون القضاء العدلي له تاريخ نضالي منذ العهد البورقيبي البائد ونظام بن علي المعروف بالفساد، وقد طالب العديد من القضاة قبل الثورة بضرورة إصلاح المنظومة القضائية ورفع وصاية السلطة التنفيذية عنهم، ومنهم من دعا إلى الاحتجاج وأصدر البلاغات المندّدة بإدارة القضاء ومنهم من خرج إلى الشارع وتظاهر ضد القيود المسلطة على السلطة القضائية ومنهم من دفع الثمن غاليا بأن أوقف عن العمل لمدّة معيّنة ومنهم من وقع عزله (تحرّكات جمعية القضاة الشبّان سنة 1985).
أما بعد الثورة، فقد واصل القضاة مسيرتهم النضالية داخل هياكل جمعيتهم فكان لهم موعد مع التاريخ وذلك بإصدارهم للبلاغات المدافعة عن الحرّيات، من ذلك البلاغ الصادر في 16 جويلية 2011 على اثر قيام قوات الأمن قمع مسيرة سلمية وإجهاض اعتصام القصبة 3 وتعنيف المتظاهرين والصحفيين واقتحام جامع القصبة واعتبر البيان أن تلك الاعتداءات تستهدف حق التظاهر السلمي وحرية التعبير وتهديدا لحرية الصحافة واستقلالها وامتهانا للصحفيين وانتهاكا لحرمة المساجد، وطالب بفتح تحقيق في الغرض، وفي نفس السياق أصدر القضاة عن طريق جمعيتهم بيانا ندّدوا فيه بما تعرّض له الصحفيون يوم 6 ماي 2011 من اعتداءات وسط العاصمة وما رافق ذلك من مطاردتهم ومصادرة معداتهم واقتحام إحدى المؤسسات الصحفية.
فهل يتصوّر على سبيل الجدل أن تنعكس هذه التحركات يوما لدى قضاتنا العسكريين؟
 وهل يأتي يوم نرى فيه قضاة المحاكم العسكرية يطالبون بتشكيل جمعية تناضل عن حقوقهم، أو يصدرون بيانات تنادي بالحرية وبالاستقلالية أو بتنظيم وقفات احتجاجية أو حمل شارة حمراء للتنديد بوضعهم؟
الرأي عندنا، أن ذلك لن يتحقق طالما أن القاضي العسكري يحمل رتبة عسكرية وأن ذلك ينعكس بالسلب وجوبا على وضعيته المهنية وعلى قراراته وأحكامه.
 لذلك نصرّح انه آن الأوان لإلغاء المحاكم العسكرية، لان العدالة لا تلتقي مع التعليمات والأوامر، وآن الأوان لإلحاق زملائنا القضاة العسكريين بالقضاء الطبيعي ورفع الصفة والرتب العسكرية عنهم واحتفاظهم بالرتب القضائية دون سواها.
 ولا مجال لبقاء المحاكم العسكرية زمن السلم، فجلّ النظم الديمقراطية ألغت المحاكم العسكرية (النظام الفرنسي والألماني والبلجيكي، وهاهي منظمات مصرية تطالب بإلغاء المحاكم العسكرية...) واغلب البلدان العريقة في الديمقراطية وحّدت منظومتها القضائية وأسّست لقضاء عدلي واحد يتساوى فيه المواطنون مهما اختلفت وظائفهم وأجناسهم وجنسياتهم...
وقد حان الوقت ليكون القضاء العسكري مجسّما في دوائر عسكرية لدى المحاكم الابتدائية تنظر في القضايا ذات الصبغة العسكرية بواسطة قضاة عدليين مدنيين لتحقيق العدالة المنشودة وتحقيق المساواة بين جميع المواطنين ووضع حد لإهدار المال العام.
وفي الختام أرجو أن تكون هذه المداخلة مساهمة في إثراء البحث العلمي في الميدان القانوني وخطوة أولى نحو توحيد القضاء وانصهار جميع فروعه العدلية والإدارية والمالية والعسكرية.
والسلام


([1])   مداخلة .
([2])   الدكتور الصحبي العمري - القضاء العسكري في قفص الاتهام - جريدة المساء عدد 16، ص. 8.
([3])   وهو نفس الطلب الذي نادى به بعض القضاة العدليين بشأن إلغاء خطّة وكيل الدولة العام مدير المصالح العدلية.
([4])   اتفاقية جينيف الصادرة في 12/08/1949 المصادق عليها من قبل الجمهورية التونسية في 4/05/1957.
([5])   مجلة علوم إنسانية عدد18 فيفري 2005.
([6])   مقال لحمزة سديرة على الانترنات تحت عنوان تقارير قضائية تونسية تفند حقيقة التهم المنسوبة لحركة النهضة بتاريخ 8 فيفري 2011.
([7])   حمزة سديرة، تقارير قضائية تونسية تفنّد حقيقة التهم المنسوبة لحركة النهضة صفحة 16 و17 منشورة على شبكة الانترنات بتاريخ 7/02/2011.
([8])   نفس المرجع صفحة 17.
([9])   مقال بجريدة الصباح 3/05/2012 تحت عنوان تعذيب وحشي حتى الموت أمام 60 سجينا.
([10])  مقال الكتروني لمنظمة حرية وإنصاف بتاريخ 1جوان2011 تحت عنوان من الاختطاف إلى المحاكمة العسكرية.
([11])  المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب – تقرير حول انتهاكات حقوق الإنسان في تونس أثناء الفترة الممتدة من منتصف جانفي2011 إلى موفى سبتمبر2011.
([12])  الأستاذ شرف الدين القليل - مقال بجريدة الأسبوعي بإمضاء محمد الصالح الربعاوي تحت عنوان إستياء من تسييس الملف - العدد1392 بتاريخ 30 أفريل 2012 ص. 4.

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

تقـرير ختم التربص كاتب محكمة

تعريف كاتب المحكمة ، كاتب ضبط ، أمين ضبط ، محرر قضائي ،معاون قضائي

جمعية الصداقة كتبة المحاكم التونسيين / Association D’amitié Pour Des Greffiers De Justice / Rechtspfleger